الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

121

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

يستطيع صاحبه كتمانه ، فينطلق بالإفصاح عنه لسانه . وفيه يتبين هذه الهوية الجوهرية فيما بين العبد الواصل والمعبود الموصول إليه ، فيتحدث على لسان الحق ، لأنه صار والحق شيئاً واحداً ، ومن هنا ينتقل الخطاب إلى صيغة المتكلم بعد أن كان في حال المناجاة بصيغة المخاطب ، وفي حال الذكر بصيغة الغائب . لكن مَن المخاطِب ومن المخاطَب ؟ الأحرى أن يكون كلاهما واحداً ، ولذا لا يفترض هنا ( غير ) أن يتوجه إليه الخطاب ، وهذا هو الأصل في تحريم إذاعة ما يجري في النفس إبان هذه الحال . ومن أذاع فقد شطح . لكن هل كان في وسعه ألّا يذيع ؟ ذلك هو مأزق الصوفي : فشدة الوجد ترغمه على الإذاعة ، والمذاع سر بين العبد والرب ، لأن التفرقة انتفت وصار اتحاد . ولهذا يمكن أن يقال : أن الشطح سر للصوفي لا بد منه . هنالك تتخذ الكلمات عند النفس امتلاءها الخاص بحقيقتها الوقتية ، وتسمع في باطنها أحاديث قدسية ، ثم تصلح النفس لغتها وفقاً لتلك الأحاديث ، وعلى وصيد الاتحاد الصوفي تقف ظاهرة الشطح ، هذه الدعوة إلى التبادل ، فيوزع العاشقين باستبدال كل منهما دوره بدور الآخر ، وترغب النفس في التعبير ، ( بصيغة المتكلم ) ، ومن غير شعور منها بذلك ، عن مقاصد المحبوب نفسه ، وإن في هذا لأشد امتحانٍ لتواضعها ، وإنه لختم لصطفائها . فالعناصر الضرورية لوجود ظاهرة الشطح هي : أولًا : شدة الوجد . ثانياً : أن تكون التجربة تجربة اتحاد . ثالثاً : أن يكون الصوفي في حال سكر . ورابعاً : أن يسمع في داخل نفسه هاتفاً إلهياً يدعوه إلى الاتحاد ، فيستبدل دوره بدوره وخامساً : أن يتم هذا كله والصوفي في حالٍ من عدم الشعور ، فينطق مترجماً عما طاف به متخذاً صيغة المتكلم وكأن الحق هو الذي ينطق بلسانه .